الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
258
مختصر الامثل
التّفسير هذه الآيات تصرّح ببعض تحريفات أهل الكتاب الذين كانوا يتوسّلون بالتبريرات والأسباب الواهية لتفادي إجراء حدود اللَّه ، مع أنّ كتابهم كان صريحاً في بيان حكم اللَّه بغير إبهام ، وقد دُعوا للخضوع للحكم الموجود في كتابهم : « أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ » . ولكن عصيانهم كان ظاهراً ومصحوباً بالإعراض والطغيان واتخاذ موقف المعارض لأحكام اللَّه : « ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ » . يمكن الاستنتاج من « أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ » أنّ ما كان بين أيدي اليهود والنصارى من التوراة والإنجيل لم يكن كاملًا ، بل كان قسم منهما بين أيديهم ، بينما كان القسم الأعظم من هذين الكتابين السماويين قد ضاع أو حُرّف . وفي الآية الثانية شرح سبب عصيانهم وتمرّدهم ، وهو أنّهم كانوا يحملون فكرة خاطئة عن كونهم من عنصر ممتاز ، وهم اليوم أيضاً يحملون هذه الفكرة الباطلة الواضحة في كتاباتهم الدالة على الاستعلاء العنصري . كانوا يظنّون أنّ لهم علاقة خاصة باللَّه سبحانه ، حتى أنّهم سمّوا أنفسهم « أبناء اللَّه » كما ينقل القرآن ذلك على لسان اليهود والنصارى في الآية ( 18 ) من سورة المائدة قولهم : « نَحْنُ أَبْنؤُا اللَّهِ وَأَحِبؤُهُ » . وبناءاً على ذلك كانوا يرون لأنفسهم حصانة تجاه العقوبات الربانية ، وكانوا ينسبون ذلك إلى اللَّه نفسه . لذلك كانوا يعتقدون أنّهم لن يعاقَبوا على ذنوبهم يوم القيامة إلّالأيّام معدودات : « قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ » . هذه الامتيازات الكاذبة المصطنعة ، التي أسبغوها على أنفسهم ونسبوها إلى اللَّه ، صارت شيئاً فشيئاً جزءاً من معتقداتهم بحيث إنّهم اغترّوا بها وراحوا يخالفون أحكام اللَّه ويخرقون قوانينه مجترئين عليها جرأةً لا مزيد عليها « وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ » .